71 مستودعًا رقميًا في الجامعات الجزائرية

نموّ كمّي يبحث عن نضج نوعي
في سنوات قليلة، أصبح لدى أغلب مؤسسات التعليم العالي الجزائرية مستودعها الرقمي. لكن السؤال اليوم لم يعد: «هل لدينا مستودع؟» بل: «هل يراه العالم؟ وهل تفهمه الآلة؟».
رقم يستحق الاحتفاء… والتمحيص
بلغ عدد المستودعات الرقمية في مؤسسات التعليم العالي بالجزائر 71 مستودعًا، وفق دراسة ميدانية أنجزتها مع الزميلين نبيل عكنوش ولزهر بوشارب بولوداني، نُشرت في مارس 2026. رصدنا هذه المستودعات بزيارة مواقع الجامعات والمراكز الجامعية والمدارس العليا، وبالبحث في محركات البحث عن المستودعات المبنية على نظام DSpace.
هذا الرقم مؤشر صحي على انتشار ثقافة الأرشفة المؤسساتية والوصول المفتوح. غير أن تحليل هذه المستودعات بعمق يكشف أن النمو الكمي لم يواكبه بعدُ نضج تقني ومعياري يضمنان للإنتاج العلمي الجزائري المرئية الدولية.
من يملك هذه المستودعات؟
تتصدر الجامعات المشهد بفارق واضح، تليها المدارس الوطنية العليا. انقر على أي فئة لتمييز مستودعاتها في الشبكة:
توزيع المستودعات الـ71 حسب نوع المؤسسة
من بين الـ71، تعذّر الوصول إلى ثلاثة مستودعات أثناء التحليل (المركز الجامعي ميلة، وجامعة قسنطينة 2، وجامعة خنشلة)، فشمل التحليل 68 مستودعًا وفق ستة معايير: النظام المستخدم، والمعرّفات الموحدة، والتراخيص المفتوحة، والإحصائيات، والبيانات الوصفية، والتكشيف في محركات العلم المفتوح.
DSpace في كل مكان… لكن بأي إصدار؟
اعتمدت المستودعات الجزائرية بشكل شبه كامل على البرمجية مفتوحة المصدر DSpace، مع حالة وحيدة تستخدم EPrints. لكن خلف هذا التجانس الظاهري تباين كبير في الإصدارات، يعكس غياب سياسة وطنية موحدة للتحديث:
إصدارات البرمجيات في 68 مستودعًا محللًا
النتيجة لافتة: نحو نصف المستودعات (35 من 68) تعمل بالإصدارين 7 و8، وهما الأقدر على تلبية متطلبات الجيل القادم بفضل واجهة Angular ودعم REST API والتكامل مع ORCID وDOI. في المقابل، ما زال 32 مستودعًا يعمل بإصدارات قديمة لم تعد مدعومة رسميًا في معظمها، بل إن أحدها لا يزال على الإصدار 1.8.
بطاقة الأداء: أين نقف من المعايير؟
حين ننتقل من «النظام» إلى «الممارسة»، تتضح الفجوة. تبيّن البطاقة التالية نسبة المستودعات التي تستوفي كل معيار من الـ68 مستودعًا المحللة:
62 مستودعًا (نحو 91%) لا تعتمد أي معرّف دائم، ويغيب DOI في أغلب الحالات، فتبقى الروابط عرضة للانقطاع عند أي تغيير تقني.
مستودع جامعة تامنغست وحده يدمج معرّف ORCID ضمن البيانات الوصفية ويربط حسابات الباحثين. ولم يعتمد أي مستودع معرّف المؤسسات ROR.
تبقى الغالبية على الإعداد الافتراضي «جميع الحقوق محفوظة»، فلا يُعرف ما يجوز فعله بالمحتوى.
31 مستودعًا يعرض الإحصائيات الافتراضية لـ DSpace فقط، ولا يعتمد أي مستودع معايير COUNTER أو SUSHI أو أدوات تحليل خارجية.
64 مستودعًا في المستوى «المتوسط»: استخدام سطحي لمعيار Dublin Core يقتصر على الحقول الأساسية.
قمع المرئية: من الإتاحة إلى الاكتشاف
المستودع المتاح على الإنترنت ليس بالضرورة مرئيًا. فحصنا حضور المستودعات في أبرز محركات العلم المفتوح، فكانت النتيجة صادمة:
كم مستودعًا جزائريًا يعرفه العالم؟
أي أن أكثر من 90% من المستودعات الجزائرية تبقى غير مرئية دوليًا رغم إتاحتها. ويعود ذلك إلى تضافر العوامل السابقة: ضعف البيانات الوصفية، وغياب المعرّفات الدائمة، وافتقاد التراخيص المفتوحة، وعدم تسجيل المستودعات وتفعيل بروتوكول OAI-PMH لدى خدمات الحصاد.
لقد حققت المستودعات الجزائرية انتشارًا مؤسسيًا ملحوظًا، والمرحلة القادمة هي مرحلة الجودة: أن يصبح كل مستودع عقدة فاعلة في شبكة العلم المفتوح العالمية، لا جزيرة معزولة.
ماذا بعد الرقم 71؟
انطلاقًا من نتائج الدراسة، نقترح أولويات عملية للانتقال من الكمّ إلى النوع:
- سياسة وطنية للتحديث: ترحيل المستودعات العاملة بالإصدارات القديمة إلى أحدث إصدارات DSpace، تدريجيًا نحو DSpace-CRIS.
- المعرّفات الموحدة: Handle أو DOI للوثائق، وORCID للباحثين، وROR للمؤسسات.
- التراخيص المفتوحة: سياسة موحدة تفرض إرفاق كل مورد بترخيص Creative Commons مناسب، مع دليل إرشادي للمودعين.
- إحصائيات معيارية: تفعيل COUNTER وSUSHI ولوحات تحليل تسمح بالمقارنة وقياس الأثر.
- بيانات وصفية غنية: تجاوز الحقول الأساسية إلى العلاقات بين الكيانات والتمويل والروابط الدلالية.
- التسجيل والتكشيف: تسجيل كل مستودع لدى BASE وCORE وOpenAIRE وضبط OAI-PMH وفق إرشاداتها.
- التكوين وفرق العمل: فرق تقنية وطنية وبرامج تدريب مستمرة لمسؤولي المستودعات.
الرقم 71 إنجاز يُبنى عليه. وما ينقصنا اليوم ليس المنصات، بل المعايير والتنسيق. وهي فجوة يمكن ردمها بإرادة مؤسسية واضحة وتنسيق وطني، لتنتقل المستودعات الجزائرية من مجرد «خزائن رقمية» إلى منصات ذكية مندمجة في منظومة العلم المفتوح.